مرجعكم الشامل

مرجعكم الشامل
 
الرئيسيةالتسجيلاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتدخول



شاطر | 
 

 موقعة الطف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
administrator


avatar

الجنس ذكر
البلد العراق
عدد المساهمات 4923
تاريخ التسجيل 21/03/2011

مُساهمةموضوع: موقعة الطف   الأحد 19 فبراير 2012, 6:58 pm







معسكر ابن سعد
في اليوم الثالث من محرم قدم عمر ابن سعد بن أبي وقّاص من
الكوفة في أربعة الاف فارس فنـزل نينوى، وهناك انضم إليه الحر بن يزيد
الرياحي في ألف فارس فصار في خمسة الاف فارس.

وقد بعث عمر بن سعد إلى الإمام الحسين عليه السلام عزرة ابن
قيس الأحمسي ليسأله عمّا يريد، فاستحيا منه أن يأتيه لأنه ممن كتب للإمام
عليه السلام، فعرض ابن سعد ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى وكرهه،
فعرض كثير بن عبد الله الشعبي أن يذهب إليه وإن شاء يقتله.

ورأى عمر ابن سعد أن يكتب لعبيد الله بن زياد كتاباً يُبين
له الأوضاع السائدة، وكان فيه على رواية الطبري: " بسم الله الرحمن الرحيم،
أما بعد: فإني حيث نزلتُ بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عمّا أقدمه،
وماذا يطلب ويسأل؟ فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد، واتتني رسلهم، فسألوني
القدوم ففعلت، فأما إذا كرهوني فبدا لهم ما أتتني به رسلهم فإني منصرف عنهم
"

فلما وصل كتاب عمر إلى ابن زياد قال:
الان إذ علقت مخالبنا به‏***يرجو النجاة ولات حين مناص‏
وكتب إلى ابن سعد: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد
بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو
وجميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأَينا رأينا والسلام"..

وسرعان ما أرسل ابن سعد رسوله إلى الإمام عليه السلام ليأخذ منه البيعة، فكان جواب الإمام عليه السلام:
" لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبداً، فهل هو إلا الموت، مرحباً به "
عندما عرف ابن زياد برد الإمام عليه السلام جمع الناس في
مسجد الكوفة، وأخبرهم أن يزيد بن معاوية قد أرسل له أربعة آلاف دينار
ومائتي ألف درهم ليفرقها عليهم إذا خرجوا لقتال الإمام‏ عليه السلام.

وبقي ابن زياد يرسل الجنود حتى بلغ عددهم ثلاثون ألفاً ما
بين فارس وراجل. وخرج هو غاضباً بجميع أصحابه إلى النخيلة وهو موضع قرب
الكوفة.

والتأمت العساكر إلى عمر بن سعد لستٍ مضين من المحرّم.

عمر بن سعد
كان عبيد الله بن زياد قد عهد ملك الري إلى عمر بن سعد على
أن يقتل الحسين عليه السلام أولاً ثم ينسحب لعمله، وقد حار عمر بن سعد في
أمره، وأخذ يستشير نصحائه فلم يكن يستشير أحداً إلا نهاه، ولكن عبيد الله
هدده بسحب ملك الري منه فأبى ابن سعد ذلك وفضل الخروج لقتال الإمام عليه
السلام، ولكن ابن سعد لم ينل من ابن زياد ما وعده إياه، على الرغم من قيامه
بتنفيذ أوامره، فقد خرج ابن سعد من عند ابن زياد يريد منزله إلى أهله وهو
يقول في طريقه: "ما رجع أحد بمثل ما رجعت، أطعتُ الفاسق ابن زياد الظالم
ابن الظالم، وعصيت الحاكم العادل، وقطعتُ القرابة الشريفة". وهجره الناس،
وكلما مر على ملأ من الناس أعرضوا عنه، وكلما دخل المسجد خرج الناس منه،
وكل من رآه قد سبه. فلزم بيته إلى أن قتل.


الرسالة الأخيرة للإمام الحسين عليه السلام
كانت آخر رسائل الإمام الحسين عليه السلام من أرض كربلاء إلى أخيه محمد بن الحنفية من أقصر الرسائل التي حوت أرقى المضامين وأبلغها:
"بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي ومن قبله من بني هاشم: أما بعد، فكأن الدنيا لم تكن. وكأن الآخرة لم تزل. والسلام".
لقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام في رسالته هذه أرقى
معنى للموت، وهو إذا كانت حقيقة الدنيا أن ختامها الموت، وكان لا بدّ من
فراقها، فليكن الختام أفضل الختام، ولتكن النهاية أشرف نهاية، وبهذه
الرسالة يكون الإمام عليه السلام قد أتم وأكمل رسالته لمحمد بن الحنفية
والتي أرسلها من مكة وهي:

"من لحق بي استشهد....".

خطبة الإمام عليه السلام الأولى في أصحابه
لمّا أيقن الإمام الحسين عليه السلام أن القوم قاتليه، جمع أصحابه وقام بهم خطيباً، فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال:
" قد نزل بنا ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيرت
وتنكرت، وأدبر معروفها، ألا ترون أن الحق لا يعمل به. وأن الباطل لا يتناهى
عنه. ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإني لا أرى الموت إلا سعادة. والحياة مع
الظالمين إلا برما ".


حبيب بن مظاهر وقبيلة بني أسد
بقي جيش عمر بن سعد يحاصر الإمام عليه السلام حتى السادس من
محرم، فجاء حبيب بن مظاهر الأسدي إلى الإمام عليه السلام وأستأذنه في أن
يقصد بني عشيرته يستنصرهم، فأذِن له. فسار في جوف الليل إليهم فلبوا النداء
وسار مع حبيب تسعون رجلاً يريدون الإمام عليه السلام، غير أن رجلاً صار
إلى عمر بن سعد وأخبره بشأن القوم، فما أن وصل حبيب وقومه شاطئ الفرات فإذ
بعسكر ابن سعد يستقبلهم، فتقاتل الطرفان فقتل منهم من قتل، حتى عرف بنو أسد
أن لا طاقة لهم بجيش ابن سعد فانهزموا وعادوا إلى مكانهم، ورجع حبيب إلى
الإمام الحسين‏ عليه السلام وحيداً.


ابن سعد يمنع الماء عن مخيم الإمام عليه السلام
في اليوم السابع من المحرم، حالت خيول جيش بن سعد بين الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وبين الماء، فأضرّ العطش بهم.
ولما اشتد على الإمام عليه السلام وأصحابه العطش دعا أخاه
العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين
راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلاً، واستقدم
أمامهم نافع بن هلال الجملي، فمنعهم عمرو بن الحجاج في خمسمائة راكب،
فاقتتلوا واقتحم رجال الإمام عليه السلام فملأوا قربهم، ووقف العباس‏ عليه
السلام في أصحابه يذبون عنها حتى أوصلوا الماء إلى عسكر الإمام عليه
السلام.


المحاورة بين الإمام الحسين عليه السلام وبين عمر بن سعد
أرسل الإمام الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد:
"إني أريد أن أكلمك، فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك".
فخرج عمر بن سعد في عشرين فارساً، وأقبل الحسين عليه السلام
في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الإمام الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا
عنه، وبقي معه أخوه العباس عليه السلام وابنه علي الأكبر. ثم أمر عمر
أصحابه بالتنحي وبقي معه حفص ابنه وغلامه لاحق.

فقال الإمام الحسين عليه السلام:
"ويحك يا ابن سعد. أما تتقي الله الذي إليه معادك أن
تقاتلني، وأنا ابن من علمتَ يا هذا من رسول الله‏ صلى الله عليه وآله ؟
فاترك هؤلاء وكن معي، فإني أقربك إلى الله عز وجل".

فقال عمر ابن سعد: أبا عبد الله.. أخاف أن تُهدم داري.
فأجاب الإمام عليه السلام:
" أنا أبنيها لك "
فقال ابن سعد: أخاف أن تؤخذ ضيعتي..
فقال الإمام عليه السلام:
" أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز "
فقال ابن سعد: لي عيال أخاف عليهم.
فأجابه الإمام عليه السلام:
" أنا أضمن سلامتهم "
فلم يجب عمر إلى شي‏ء من ذلك، فانصرف عنه الإمام عليه السلام وعاد ابن سعد إلى معسكره.
لاشك أن عمر بن سعد كغيره من معظم جيش ابن زياد، كان يعلم
يقيناً بأحقية الإمام عليه السلام بهذا الأمر، كما كان يعلم بما لا يرتاب
فيه بالعار العظيم وبالسقوط الفظيع الذي سيلحقه مدى الدهر إذا ما قتل
الإمام عليه السلام في هذه المواجهة التي صار هو فيها على رأس الجيش، ولكنه
في باطنه أيضاً أسير رغبته الجامحة في ولاية الري ونعمائها، من هنا فقد
سعى إلى أن يجد المخرج من هذه الورطة فيعافى من ارتكاب جريمة قتل الإمام
عليه السلام ولا يخسر أمنيته في ولاية الري.


أكذوبة عمر بن سعد
بعد لقائه مع الإمام عليه السلام كتب ابن سعد إلى ابن زياد
كتاباً نصه: " أما بعد، فإن الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة، وأصلح أمر
الأمة. هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو نسيّره إلى
أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا أو يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في
يده.. "

لقد أراد ابن سعد من هذه الرسالة الكاذبة أن يتملص من قتل
الإمام الحسين عليه السلام بطريقة لا يخسر فيها ملك الري، ولكن ابن زياد
لما عرف بأمر لقاء الإمام عليه السلام مع ابن سعد، أشار عليه شمر بن ذي
الجوشن بأن يأخذ موفقاً حازماً في هذا الموضوع، فأرسله ومعه كتاب لابن سعد
فيه:أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه
السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً. أنظر فإن نزل حسين وأصحابه على
الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلماً. فإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم
وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون. فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره.

فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد،
فلما قرأه قال عمر: ما لك ويلك، لا قرب الله دارك، وقبح ما قدمت به عليّ،
والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمراً كنا
رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله الحسين، إن نفساً أبية لبين جنبيه..


بذل الأمان لأبي الفضل عليه السلام وإخوته
بذل الشمر بن ذي الجوشن الأمان للعباس بن علي بن أبي طالب
عليه السلام واخوته من أمه أم البنين وكان هدف ابن زياد والأمويين فصلهم عن
سيد الشهداء، وقد بلغ الشمر ذلك، فجاء حتى وقف على أصحاب الإمام عليه
السلام فقال: أين بنو أُختننا؟

فخرج إليه العباس عليه السلام وجعفر وعبد الله وعثمان بنو علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا له:
" ما تريد؟ "
فقال لهم: أنتم آمنون.
فقالوا له:
" لعنك الله ولعن أمانك. أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له "

التاسع من المحرم
في التاسع من المحرم، نادي عمر سعد: يا خيل الله اركبي وابشري.
فركب الجميع ثم زحف ابن سعد نحو معسكر الإمام عليه السلام
بعد صلاة العصر والإمام عليه السلام جالس أمام خيمته، مجتبٍ بسيفه، وقد
أخذته إغفاءة.

وسمعت أخته زينب عليها السلام الصيحة، فدنت من أخيها، فقالت:
" يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ "
فرفع الإمام عليه السلام رأسه قائلاً:
" إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا"
ثم طلب من أخيه العباس عليه السلام أن يستقبلهم في نحوٍ من
عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، ففعل العباس عليه السلام
وخاطب القوم:

" ما بدا لكم وما تريدون؟ "
قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم.
فأجاب عليه السلام:
فلا تعجلوا حتى ارجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم".
فوقفوا ورجع العباس عليه السلام إلى الإمام عليه السلام
يخبره، فيما بقي أصحابه مكانهم، وقد تحدث حبيب بن مظاهر مع القوم ليحاججهم،
إلى أن جاء العباس عليه السلام راكضاً حتى انتهى إليهم فقال:

" يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة
حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمر لم يحر بينكم وبينه فيه منطق فإذا
أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه
وتسومونه. أو كرهنا فرددناه "

فقال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟
فأجاب شمر: ما ترى أنتَ؟ أنتَ الأمير والرأي رأيك؟
فأجاب عمر: قد أردتُ ألا أكون..
فأقبل على الناس ونادى: ماذا ترون؟
فأجاب عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله، والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة، لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها.
وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة.
فقال عمر: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية.
وقد أراد الإمام عليه السلام بطلبه أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصي أهله، فقد قال الإمام عليه السلام للعباس:
" ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غداوة وتدفعهم عنا
العشية، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت أحب
الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار "

وكان هذا من جملة الأسباب التي أرادها الإمام عليه السلام
لثورته، فهو لم يرد أن تجري وقائع مأساته في ظلمة الليل بل في وضح النهار،
ليرى أكبر عدد من الشهود ما حصل، كما أنه بالإضافة إلى الحسابات العسكرية
بالنسبة لمجموعة صغيرة محاصرة في بقعة محدودة ضيقة هنالك حسابات إعلامية و
تبليغية، فهو بذلك يكشف للأمة وللعالم أجمع عن أحقيته و مظلوميته، وعن
وحشية أعدائه وعدم مراعاتهم لأي معنى والتزام أخلاقي وديني. فالنهار إذن
كان عاملاً مهماً من عوامل نجاح يحفظ حقيقة فاجعة الطف كما هي وبكل
تفاصيلها..


وقائع ليلة عاشوراء
جمع الإمام الحسين عليه السلام أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، فقال:
" أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على
السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القران،
وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من
المشركين.

أما بعد: فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي،
ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً، إلا
وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد أذنت لكم. فانطلقوا
جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملاً ثم ليأخذ
كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج
الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني للهوا عن طلب غيري.. "

فقال له إخوته، وأبناؤه و بنو أخيه، و ابنا عبد الله بن جعفر [ وكان أول المتكلمين أبو الفضل العباس عليه السلام ]:
" لم نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً "
ثم قال الإمام عليه السلام لبني عقيل:
" حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم "
قالوا:
" فما يقول الناس؟. يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني
عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معه بسهم، ولم نطعن معه برمح، ولم نضرب معه
بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا
وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك "

ثم قام الأصحاب واحداً بعد الآخر كل يظهر مدى ولائه واستعداده للتضحية بحياته بين يديه، نذكر منها:
- موقف مسلم بن عوسجة: (... أنحنُ نخلي عنك ولما نعذر إلى
الله في أداء حقك، أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما
ثبت قائمة في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم
بالحجارة دونك حتى أموت معك).

- سعد بن عبد الله الحنفي: (... والله لا نخليك حتى يعلم
الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك، والله لو علمت
أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حياً ثم أذر يفعل بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى
ألقى حِمامي دونك).

- زهير بن القين...
والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة وأن الله
يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك).

- محمد بن بشير الحضرمي... وقيل له أن ابنه قد أُسر بثغر الري. فقال: " عند الله احتسبه ونفسي، ما كنتُ أحبّ‏ُ أن يؤسر وأن أبقى بعده).
فسمع الإمام الحسين عليه السلام قوله، فقال:
" رحمك الله. أنتَ في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك "
فأجابه: أكلتني السباع حيّاً إن أنا فارقتك..
وهكذا كل واحد منهم يُبدي بذل مهجته في سبيل الإمام‏ عليه السلام فدعا لهم عليه السلام وقال لهم:
" ارفعوا رؤوسكم.. فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم في الجنة "

برير الهمداني وعمر ابن سعد
طلب بُرير بن خضير الهمداني إلى الإمام عليه السلام وهو من
الزهاد الذين يصومون النهار ويقومون الليل، أن يأذن له بأن يكلم عمر بن سعد
فيعظه لعله يتعظ ويرتدع، فأذن له الإمام عليه السلام.

فذهب بُرير حتى وصل إلى خيمة بن سعد فدخل عليه وجلس ولم
يسلم، فغضب ابن سعد وقال: يا أخا همدان ما منعك من السلام عليّ، ألستُ
مسلماً أعرف الله ورسوله، وأشهد بشهادة الحق.

فقال له برير: لو كنت عرفت الله ورسوله كما تقول لما خرجت
إلى عترة رسول الله صلى الله عليه وآله تريد قتلهم. وبعد فهذا الفرات يلوح
بصفائه، ويلج كأنه بطون الحيات، تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها، وهذا
الحسين بن علي واخوته ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشاً، وقد حلت بينهم وبين
ماء الفرات أن يشربوه. وتزعم انك تعرف الله ورسوله صلى الله عليه وآله.

فأطرق عمر بن سعد إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال: والله يا
برير إني لأعلم يقيناً أن من قاتلهم وغصبهم حقهم هو في النار لا محالة،
ولكن يا برير أفتشير علي أن أترك ولاية الري فتكون لغيري. فوالله ما أجد
نفسي تجيبني لذلك..

فرجع بُرير إلى الإمام عليه السلام وقال له: يا ابن رسول الله، إن عمر بن سعد قد رضي لقتلك بملك الري.

الإمام الحسين عليه السلام مع العقيلة زينب عليها السلام
أمر الإمام عليه السلام بحفر حفيرة حول عسكره، وأمر بأن
تحشى حطباً، واعتزل عليه السلام في خباءٍ له وعنده جون مولى أبي ذي
الغفاري، وهو (أي جون) يعالج سيف الإمام ويصلحه، ويقول‏ عليه السلام:

يا دهر أفٍ‏ٍ لك من خليل***كم لك بالإشراق والأصيل‏
من صاحبٍ أو طالبٍ قتيل***لدهر لا يقنع بالبديل‏
وإنما الأمر إلى الجليل***وكل حي سالك سبيلي‏

فأعادها مرتين أو ثلاثاً، حتى فهمتها أخته السيدة زينب‏ عليها السلام، فلم تملك نفسها إذ وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه.
فقالت عليها السلام:
" وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي، وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين "
فنظر إليها الإمام عليه السلام، وترقرقت عيناه بالدموع وقال‏ عليه السلام:
" لو تُرك القطا لغفا ونام "
فقالت عليها السلام:
" يا ويلتاه، أفتغصب نفسك اغتصاباً، فذاك أقرح لقلبي وأشد على نفسي "
ثم لطمت وجهها، وخرت مغشياً عليها..
فقام الإمام الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء، وقال لها:
" إيهاً يا أختاه، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض
يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وان كل شي‏ء هالك إلا وجه الله الذي خلق
بقدرته، ويبعث الخلق ويعيدهم، وهو فرد وحده، جدي خير مني، وأبي خير مني،
وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة "

فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها:
" يا أخية، إني أقسمتُ عليك فابرئي قسمي، لا تشقي علي جيباً، ولا تخشمي علي وجهاً، ولا تدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت "
وجاء حتى أجلسها عنده، ثم خرج إلى أصحابه وأمرهم أن يقرب
بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها ببعض، وأن يكونوا بين
البيوت فيستقبلون القوم من وجهة واحدة، والبيوت من ورائهم وعن إيمانهم وعن
شمائلهم، وقد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع عليه السلام
إلى مكانه فقام الليل يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع وقام أصحابه كذلك يصلون
ويدعون ويستغفرون.


موقف نافع بن هلال الجملي
وخرج الإمام الحسين عليه السلام في جوف الليل إلى خارج
الخيام يتفقد التلاع والعقبات، فتبعه نافع بن هلال الجملي، فسأله الإمام
عليه السلام عما أخرجه..

قال نافع: " يا ابن رسول الله، أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي "

فقال الإمام عليه السلام:
" إني خرجت أتفقد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون "
ثم رجع عليه السلام وهو قابض على يد نافع ويقول:
" هي.. هي والله، وعد لا خلف فيه ".
والتفت إلى نافع:
" ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟ "
فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول: ثكلتني أمي. إن سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي منّ بك علي لا فارقتك حتى يكلا عن فري وجري.
ثم دخل الإمام عليه السلام خيمة زينب عليها السلام ووقف نافع إزاء الخيمة ينتظره، فسمع زينب عليها السلام وهي تقول:
" هل استعلمت من أصحابك نياتهم ؟ فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة "
فقال عليه السلام لها:
" والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه "
فلما سمع نافع مقولة العقيلة عليها السلام بكى وأتى حبيب بن
مظاهر وحكى له ما سمع. فقال حبيب: والله، لولا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي
الليلة. ثم نادى حبيب بالأصحاب واجتمعوا جميعاً أمام خيم حرائر النبوة
ليطمئنوا قلوبهنّ أنهم الأوفياء.

بات الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ليلتهم الأخيرة ولهم دوّي كدوّي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد.

أنصار الإمام الحسين عليه السلام
ينقسم أنصار الإمام الحسين عليه السلام إلى قسمين؛ فهناك
أنصار (عامة) وأنصار (يوم عاشوراء). وهناك أيضاً (شهداء النهضة الحسينية)
و(شهداء الطف)، فهناك من جاهد بين يدي الإمام يوم الطف ولم يستشهد كالحسن
المثنى. وهناك من استشهد بين يدي الإمام عليه السلام ولم يحضر عاشوراء
كمسلم بن عقيل، وهاني‏ء بن عروة وميثم التمار وقيس بن مسهر، وعبد الله بن
بُقطر، وغيرهم..

وقد بلغ عدد أنصار الإمام الحسين عليه السلام الذين شهدوا معه واقعة الطف واستشهدوا إثين وسبعون رجلاً:
عدد الهاشميين سبعة عشر ما بين رجلٍ وفتى.
عدد صحابة الإمام الحسين عليه السلام في واقعة الطف حوالي سبعة عشر ممن صحب الرسول صلى الله عليه وآله، وروى عنه أومن أدركه وراه.
عدد أصحاب أمير المؤمنين علي عليه السلام عشرين رجلاً.
الموالي الذين استشهدوا بين يدي الإمام عليه السلام بلغ عددهم ستة عشر رجلاً.
وقد روي أن عدد الملتحقين بمعسكر الإمام عليه السلام من جيش ابن سعد حتى ليلة العاشر بلغ اثنين وثلاثين رجلاً.
وتؤكد الروايات أن عدد الكوفيون في جيش الإمام الحسين‏ عليه
السلام ثمانية وستين مع مواليهم، أما البصريين بلغ فعددهم تسعة مع
مواليهم.


من ألقاب الجيش الحسيني
هناك ألقاب كثيرة أطلقت على الجيش الحسيني في كربلاء، منها:
عبّاد المصر، أي المعروفون بالعبادة، في البلد أي الكوفة
أهل البصائر.
فرسان المصر.
الطيبون.
الذاكرون الله كثيراً.
المتهجدون بالأسحار.

عناصر جيش ابن سعد
يمكن تصنيف الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسين‏ عليه السلام في كربلاء من حيث نوع العناصر التي تألف منها إلى الأصناف التالية:
المزدلفون إلى الإمام عليه السلام لقتله.
أهل الأهواء والأطماع: ومنهم الانتهازيون الساعون وراء
مصالحهم الدنيوية مهما فرضت عليهم هذه المصالح والمطامع من تقلبات أمثال
عمر بن سعد وشبث بن ربعي وحجار بن ابجرو وشمر بن ذي الجوشن، وغيرهم..

والمرتزقة الذين يخدمون من يعطي أكثر من غيره.
الفسقة والبطالون: وهم الذين لا يهمهم من دنياهم إلا قضاء
أوطارهم من المفاسد التي ألفوها وتعودوا عليها، وهؤلاء يشهدون على أنفسهم
بأنهم أهل فساد وباطل، ويبحثون عن الفرص التي تدر عليهم المال الوفير. مثل
ذلك الذي قال: املأ ركابي فضة أو ذهبا الخ

المكرهون: منهم الخوارج، وهم أعداء أهل البيت ولكنهم لم يكونوا يوالون معاوية وبني أمية.
ومنهم ميالون إلى حب الإمام عليه السلام وطاعته، ولكن
بدرجات متفاوتة، بين من لم يستطع اللحاق بالإمام عليه السلام بسبب الحصار،
فالتحق بجيش ابن سعد حتى إذا حضر كربلاء تحين الفرصة حتى التحق بمعسكر
الإمام عليه السلام، وبين من تحين الفرصة ليهرب.


من ألقاب الجيش الأموي
لقد وصف الجيش الأموي على لسان الإمام الحسين عليه السلام ولسان أصحابه بالعديد من الأوصاف التي تكشف حقيقتهم منها:
شيعة آل أبي سفيان.
العتاة.
كفروا بعد إيمانهم.
عبيد الأمة.
شذاذ الأحزاب.
طبع الله على قلوبهم‏.
كفروا بعد إيمانهم‏.

أبرز قادة الجيش الأموي
إن أبرز القادة العسكريين في جيش ابن زياد:
- عمر بن سعد بن أبي وقاص: وهو القائد الميداني العام.
- شمر بن ذي الجوشن: ويأتي من حيث الرتبة والأهمية بعد ابن سعد وكان على رأس أربعة الاف جندي، وهو قائد الميسرة.
- شبث بن ربعي: كان أمير الرجالة على ألف فارس.
- الحر بن يزيد الرياحي: كان على ألف فارس لمحاصرة الركب الحسيني.
- الحصين بن نمير: كان على أربعة الاف في تعبئة الجيش، وقائد قوات مراقبة حدود العراق الحجاز قبل واقعة الطف.
- عمرو بن الحجاج: قائد الميمنة والمتولي لمنع الماء عن الإمام‏ عليه السلام.
- محمد بن الأشعث: شيخ عشيرة كندة في الكوفة.

يوم عاشوراء
لما أصبح الحسين عليه السلام يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح، قام خطيباً فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
" إن الله تعالى قد أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم، فعليكم بالصّبر والقتال "
ثم صفّهم للحرب وكانوا على رواية إثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً.
فجعل زهير بن القين في الميمنة وحبيب بن مظاهر في الميسرة،
وثبت هو عليه السلام في القلب، وأعطى رايته العظمى أخاه العباس عليه
السلام، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر الحسين عليه السلام بحطبٍ وقصبٍ أن
يجعل في خندق كانوا حفروه، وأن تضرم به النار فلا يأتيهم العدو من ورائهم.

وعبّأ عمر بن سعد أصحابه، وكانوا على بعض الروايات ثلاثين
ألفاً، فجعل عمرَو بن الحجّاج في الميمنة، وشمر بن ذي الجّوشن في الميسرة،
وعلى الخيل عُزرةَ بن قيس، وعلى الرجّالة شَبَث بن رِبعي، وأعطى رايته
ذُويداً مولاه.

ولمّا نظر الحسين عليه السلام إلى جمعهم كأنّهم السيل المنحدر، رفع يديه بالدعاء قائلاً:
" اللهم أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنت لي
في كلّ أمر نزل بي ثقة وعُدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه
الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة
مني إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته، فأنت ولّي كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة،
ومنتهى كلّ رغبة "

وأقبل القوم يجولون حول معسكر الحسين عليه السلام وينظرون
إلى النّار تضطرم في الخندق، فنادى الشِّمر بن ذي الجّوشن بأعلى صوته: يا
حسين، تعجلتَ بالنار في الدنيا قبل يوم القيامة.

فرفع الحسين عليه السلام رأسه قائلاً:
" من هذا؟ كأنّه الشِّمر بن ذي الّجوشن؟ "
فقالوا: نعم.
فقال عليه السلام:
".. أنتَ أولى بها صليّاً "
فقال له مسلم بن عوسجة: يا ابن رسول الله، جعلتُ فداك، ألا أرميه بسهم؟
فقال عليه السلام:
" لاترمه، فإني أكره أن أبدأهم بقتال "
وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن حوزة، حتى وقف حيال الحسين عليه السلام، فقال له: أبشر يا حسين بالنار!
فقال عليه السلام:
" بل أُقدم على ربّ‏ٍ رحيم وشفيع مطاع "
ثم قال: من هذا؟
قالوا: إبن حوزة.
قال عليه السلام:
" حازه الله إلى النار "
فاضطربت فرسه في جدول، فعلقت رجله بالرِّكاب، ووقع رأسه في الأرض، ونفر به الفرس، وعجل الله بروحه إلى النار.

خطبة الحسين عليه السلام الأولى
ثّم دعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها، وتقدّم نحو القوم ونادى بأعلى صوت يُسمع جلَّهم:
" أيّها الناس، إسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحقّ
لكم عليّ ّ، وحتّى أُعذر إليكم، فإن أعطيتموني النّصف كنتم بذلك أسعد، وإن
لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمّة ثم
اقضوا إلّي ولا تُنظرون، إنّ ولييّ الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى
الصالحين "

ثم حمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله وصلى على النبي واله وعلى الملائكة والأنبياء عليهم السلام.
ثم قال عليه السلام:
" أيها الناس: فانسبوني فانظروا من أنا؟ ثّم ارجعوا إلى
أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يصلحُ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألستُ ابن بنت
نبيِّكم، وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله بما جاء
به من عند ربّه؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أوليس جعفر الطيّار في
الجنة بجناحين عمّي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا
شباب أهل الجنّة؟


فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، فوالله ما تعمّدت كذباً
منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه
عن ذلك أخبركم. سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل
بن سعد الساعدي، وزيد ابن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه
المقالة من رسول الله‏ صلى الله عليه وآله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم
عن سفك دمي؟! "

فقال له شمر بن ذي الّجوشن: أنا أعبد الله على حرف إن كنت أدري ما تقول!
فقال له حبيب بن مظاهر:
" والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً! وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك.
ثمّ قال لهم الحسين عليه السلام:
" فإن كنتم في شكّ‏ٍ من هذا! أفتشكّون أنّي إبن بنت
نبيِّكم! فوالله ما بين المشرق والمغرب إبن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في
غيركم. ويحكم! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته! أو مالٍ لكم استهلكته! أو بقصاص
جراحة!؟ "

فأخذوا لا يكلِّمونه. فنادى عليه السلام:
" يا شبث بن ربعي، يا حجّار بن أبجر، يا قيس ابن الأشعث، يا
يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثِّمار وأخضرّ الجناب،
وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنّدة؟! "

فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول! ولكن إنزل على حكم بني عمِّك، فإنّهم لا يُروك إلا ما تحب!.
فقال له الحسين‏ عليه السلام:
" أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم
بن عقيل، لا والله لا أعطيهم بيدى إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد. عباد
الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن
بيوم الحساب"

ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها وأقبلوا يزحفون نحوه.

خطبة زهير بن القين
ثم خرج إلينا زهير بن القين على فرس له ذنوب، شاكٌ في السلاح فقال:
" يا أهل الكوفة نذارِ لكم من عذاب الله نذار، إن حقاً على
المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الان إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة ما
لم يقع بيننا وبينكم السيف وأنتم للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت
العصمة وكنا أمة وأنتم أمة. إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى
الله عليه وآله لينظر ما نحن وأنتم عاملون إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان
الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا سوء عمرِ سلطانهما
كله، لّيُسَمِّلان أعينكم ويُقطَّعان أيديكم وأرجلكم ويُمَّثلان بكم
ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حُجر بن عَدِيّ
وأصحابه وهانئ بن عُروة وأشباهه".

فسبوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له، وقالوا:
والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد
الله سلما.

فقال لهم زهير:
" عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود
والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، فخلوا بين
هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم
بدون قتل الحسين‏ عليه السلام ".

قال فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: اسكت أسكت الله نَأمَتَكَ، أبرمتنا بكثرة كلامك.
فقال له زهير:
" ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة والله ما أظنّك تُحْكِمَ من كتاب الله ايتين فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم "
فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة.
قال:
" أفبالموت تخوفني فوالله للموت معه أحب إليّ من الخلد معكم".
ثم أقبل زهير على الناس رافعاً صوته فقال:
" عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجَلِفُ الجَافي
وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد صلى الله عليه وآله قوماً أراقوا دماء
ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم "

فناداه رجل فقال له: إن أبا عبد الله عليه السلام يقول لك:
" أقبل فلعمري لئن كان مؤمن ال فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ".

خطبة بُرَيرِ بن خُضَير
وروي أن الحسين عليه السلام قال لبرير بن خضير الهمداني:
" كلّم القوم يا برير وعظهم "
فتقدم برير حتى وقف قريباً من القوم، والقوم قد زحفوا إليه عن بكرة أبيهم، فقال لهم برير:
" يا هؤلاء! إتّقوا الله فإنّ ثقل محمّد قد أصبح بين
أظهركم، هؤلاء ذرّيته وعترته وبناته وحرمه! فهاتوا ما عندكم؟ وما الذي
تريدون أن تصنعوا بهم؟! "

فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم؟
فقال برير:
" أفلا ترضون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي أقبلوا منه؟
ويلكم يا أهل الكوفة! أنسيتم كتبكم إليه وعهودكم التي أعطيتموها من أنفسكم
وأشهدتم الله عليها، وكفى بالله شهيداً! ويلكم دعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم
أنّكم تقتلون أنفسكم من دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتوهم لعبيد الله!
وحلأتموهم عن ماء الفرات الجاري! بئسما خلفتم محمداً في ذرِّيته! ما لكم!
لا سقاكم الله يوم القيامة! فبئس القوم أنتم! "

فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟
فقال برير:
" الحمد الله الذي زادني فيكم بصيرة، اللّهم إني أبرأ إليك
من فعال هؤلاء القوم! اللّهم ألقِ بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان!
"

فجعل القوم يرمونه بالسهام، فرجع برير إلى ورائه.

خطبة الحسين عليه السلام الثانية
وتقدم الحسين عليه السلام ورأى صفوفهم كالسيل فخطب ثانياً فقال:
" الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة
بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنكم
الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغَرور".

ومنها:
فنعم الرب ربنا وبئس العباد انتم، أقررتم بالطاعة وامنتم
بالرسول محمد صلى الله عليه وآله، ثم أنتم رجعتم إلى ذريته وعترته تريدون
قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما
تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً
للقوم الظالمين.

تباً لكم أيتها الجماعة وترحا استصرختمونا والهين (1)،
فأصرخنا كم مُوجفين (1)، سَلَلتُم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحَشَشتُم
علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدو كم، فأصبحتم إلباً (2) لأعدائكم على
أوليائكم، بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم. فهلا لكم
الويلات، تركتمونا والسيف مَشيم (3)، والجأشُ (4) طامن، والرأيُ لما
يُستحصَف (5)، ولكن أسرعتم إليها كطيرة (6) الدَبا (7)، وتداعيتم إليها
كتهافت الفراش (Cool، فسحقاً (9) يا عبيد الأمّة (10) وشُذاذ (11) الأحزاب،
ونَبذةَ الكتاب، ومُحرفي الكَلِم، وعصبة الاثام ونفثةَ (12) الشَيطان،
ومطفئي السنن، أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون؟ أجل والله الغدر فيكم قديم،
وشَجَت (13) إليهِ أصولكم وتأزرت (14) عليه فروعكم، فكُنتُم أخبثَ ثمرٍ،
شجّاً (15) للناظر وأُكلة للغاصب، ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين
اثنتين، بين السِلة (16) والذِلة وهيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا
ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حَمية ونفوسٌ أبية، من أن تؤثر
طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرةِ مع قِلةِ العدد
وخُذلةِ الناصر.

فإن نُهزم فهزامون قِدمَا***وما إن طَبنَا (1) جُبنٌ ولَكِن‏
إذا ما الموتُ رَفِعَ عن أُناسِ***فَأفنى ذَلِكُم سَرواةِ قَومي‏
فلو خُلِّد المُلوك إذاً خُلّدنا***فقُل للشامتينَ بنا أفيقوا
وإن نُغلَب فغيرُ مُغلَبينا***مَنَايانا ودَولةُ اخرينا
كَلاكِلَه (2) أناخَ باخرينا***كما أفنى القُرونَ الأولينا
ولو بقيّ‏َ الكِرامُ إذاً بقينا***سيَلقى الشامتونَ كما لَقينا

ثم أيم الله لا تلبثون بعدها إلا كريث (3) ما يُركب الفرس،
حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليّ أبي عن جدي.
فاجمعوا أمر كم وشركائكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا
تنظرون، إني توكلت على الله ربى وربكم، ما من دابة إلا هو اخذ بناصيتها إن
ربي على صراط مستقيم.

اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف،
وسلط عليهم غلام ثقيف فيسومهم كأساً مصبّرةً (4)، فإنهم كذبونا وخذلونا،
وأنت ربنا عليكَ توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير "

ثم نزل عليه السلام ودعا بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله
المرتجز، فركبه وعبأ أصحابه للقتال، واستدعى عمر بن سعد وكان كارهاً لا
يحب أن يأتيه فلما حضر قال له عليه السلام:

" أي عمر، أتزعم انك تقتلني ويوليك الدعي ابن الدعي، بلاد
الري (1) وجرجان (2)؟ والله لا تهنأ بذلك أبداً، عهدٌ معهود، فاصنع ما أنتَ
صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا اخرة، وكأني برأسك على قصبة قد نُصب
بالكوفة، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم "

فغضب ابن سعد من كلامه، وصرف وجه عنه، ثم نادى بأصحابه: ما تنتظرون، احملوا باجمعكم، إنما هي أكلة واحدة.

موقف الحر الرياحي
وجاء الحر بن يزيد الرياحي، إلى عمر بن سعد، فقال له:
" أمقاتل أنت هذا الرجل؟ "
قال إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي.
قال الحر:
" أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضاً "
قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إليّ لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك.
فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يُقال له قرة بن قيس، فقال:
يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟
قال: لا.
قال: أما تريد أن تسقيه؟
قال: فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك.
فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فساقيه.
قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه فأخذ يدنو من حسين قليلا قليلاً.
فقال له رجل من قومه يُقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟
فسكت وأخذته رعدة.
فقال له صاحبه: يا ابن يزيد والله إن أمرك لمريب والله ما
رأيت منك في موقفٍ قط مثل شي‏ء أراه الان، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة
رجلاً ما عدوتك، فما هذا الذى أرى منك؟

قال الحر:
"إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت".
ثم ضرب فرسه فلحق بحسين عليه السلام فقال له:
"جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك
عن الرجوع وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله
إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً ولا يبلغون منك
هذه المنزلة. فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون
أني خرجت من طاعتهم. وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم،
ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وإني قد جئتك تائباً
مما كان مني إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لي
توبة؟".

قال عليه السلام:
" نعم يتوب الله عليك ويغفر لك. ما اسمك؟ "
قال:
" أنا الحر بن يزيد "
قال عليه السلام:
" أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والاخرة انزل "
قال:
" أنا لك فارساً خير مني راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري "
قال الحسين عليه السلام:
" فاصنع يرحمك الله ما بدا لك "
فاستقدم أمام أصحابه ثم قال:
" أيها القوم ألا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟
قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه، فكلمه بمثل ما كلمه به قبل وبمثل ما كلم به أصحابه.
قال عمر: قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت.
فقال:
" يا أهل الكوفة لأُمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا
أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه
أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه في بلاد
الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وأصبح في أيدكم كالأسير لا يملك
لنفسه نفعاً ولا يدفع ضراً وحلأتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات
الجاري (..) وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريته لا أسقاكم
الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shamel.3arabiyate.net
administrator


avatar

الجنس ذكر
البلد العراق
عدد المساهمات 4923
تاريخ التسجيل 21/03/2011

مُساهمةموضوع: رد: موقعة الطف   الأحد 19 فبراير 2012, 7:00 pm

الحملة الأولى
وكانت الحملة الأولى على معسكر الإمام الحسين عليه السلام،
فحمل عمرو بن الحجاج في ميمنة جيش عمر بن سعد من نحو الفرات فاضطربوا ساعة،
وما ارتفعت الغبرة إلا ومسلم بن عوسجة الأسدي صريع، فمشى إليه الحسين عليه
السلام فإذا به رمق، فقال له:

" رحمك الله يا مسلم، " منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " "
ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال:
" عزّ عليّ مصرعك يا مسلم! أبشر بالجنة! "
فقال له مسلم قولاً ضعيفاً:
" بشرك الله بخير "
فقال له حبيب:
" لولا أني أعلم أني في أثرك لاحق بك من ساعتي لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك ".
فقال له مسلم:
" فإني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت "
فقال له حبيب:
" لأنعمنك عيناً "
ثم فاضت روحه الطاهرة، رضوان الله عليه.
وهجم شمر بن ذي الجوشن في أصحابه، على خيم الحسين‏ عليه
السلام، فحمل عليهم زهير بن القين رحمه الله في عشرة من أصحاب الحسين عليه
السلام فكشفهم عن الخيم، وقُتل بعضهم وتفرق الباقون.

وخرج يزيد بن معقل من جيش ابن سعد فقال: يا برير بن خضير كيف ترى الله صنع بك؟
قال:
" صنع الله والله بي خيراً وصنع الله بك شراً "
قال: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّاباً.
فقال له برير:
".. لندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل ثم اخرج فلأبارزك "
قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب
وأن يقتل المحق المبطل. ثم برز كل واحد منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين فضرب
يزيد بن معقل برير بن خضير ضربة خفيفة لم تضره شيئاً وضربه برير بن خضير
ضربة قدت المغفر وبلغت الدماغ، فخرّ كأنما هوى من حالق، وإن سيف ابن خضير
لثابت في رأسه.

ثم تراجع القوم إلى الحسين عليه السلام فحمل شمر بن ذي
الجوشن لعنه الله على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه، وأحيط بالحسين‏ عليه
السلام وأصحابه من كل جانب، وكان أصحاب الحسين‏ عليه السلام أطواد بصيرة
وهدى وثبات، يقتلون كل من يبرز إليهم.

فقال عمرو بن الحجاج وكان على الميمنة ويلكم، ياحُمَقاء.
مهلاً! أتدرون من تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر وقوماً
مستميتين، لا يبرزن منكم أحد إلا قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم إلا
بالحجارة لقتلتموهم.

فقال ابن سعد: صدقت. الرأي ما رأيت، فأرسل في العسكر يعزم
عليهم أن لا يبارز رجل منكم، فلو خرجتم وحداناً لأتوا عليكم مبارزة. فأخذت
الخيل تحمل، وأصحاب الحسين عليه السلام يثبتون، وإنما هم اثنان وثلاثون
فارساً، ولم يكونوا يحملون على جانب من هذا الجيش إلا كشفوه. فلما رأى عزرة
بن قيس وهو على خيل أهل الكوفة أن خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن
سعد فقال: أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العِدة اليسيرة ابعث إليهم
الرجال والرماة (..) فبعث المجففة وهي قوة كانت تحتمي مع خيولها بالدروع
وخمسمائة من (الرماة) فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين عليه السلام وأصحابه
رشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم.


صلاة الظهيرة
وبقي القتال على أشده حتى انتصف النهار، فكان إذا قُتل
الرجل والرجلان من أصحاب الحسين عليه السلام يبين ذلك فيهم لقلتهم، ولا
يبين القتل في جيش عمر ابن سعد مع كثرة من يُقتل منهم لكثرتهم، وكان قد
قُتل من أنصار الإمام عليه السلام أكثر من أربعين.

واقترب وقت زوال الشمس، فقال أبو ثمامة الصائدي:
" يا أبا عبد الله! نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد
اقتربوا منك، لا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقى
ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها "

فرفع الحسين عليه السلام رأسه ثم قال:
" ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها "
ثم قال عليه السلام:
" سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي "
ففعلوا. فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تُقبل.
فرد عليه حبيب بن مظاهر:
" زعمت الصلاة من ال الرسول صلى الله عليهم لا تقبل، وتقبل منك ياخَمَّار! " (1).
فحمل عليه الحصين بن تميم فخرج إليه حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف، فشبّ ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه.
وأخذ حبيب يقول:
أنتم أعد عدة وأكثر***ونحن أعلى حجة وأظهر
ونحن أوفى منكم وأصبر***حقا وأتقى منكم وأعذر

وقاتل قتالا شديدا حتى استشهد، فهدّ ذلك الحسين عليه السلام، وقال:
" عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي "
وكان حبيب من خواص أمير المؤمنين عليه السلام، ومن السبعين
الذين نصروا الحسين عليه السلام ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح
بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يُعرض عليهم الأمان والأموال فيأبَون ويقولون
لا عذر لنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إن قُتل الحسين عليه السلام
ومنا عين تطرف حتى قُتلوا حوله..

ولما قتل حبيب أخذ الحر يقاتل راجلاً، فحمل على القوم مع
زهير بن القين، فكان إذا شد احدهما فاستلحم شد الآخر واستنقذه، ففعلا ذلك
ساعة.

فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر يحمل على القوم مٌقْدِماً، فبرز له يزيد بن سفيان، فما لبَّث الحر أن قتله.
واستبسل يضربهم بسيفه وتكاثروا عليه حتى استشهد رضوان الله
عليه، فحمله أصحابه ووضعوه بين يدي الإمام الحسين عليه السلام وبه رمق،
فجعل الحسين عليه السلام يمسح وجهه ويقول:

" أنتَ الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا وأنت الحر في الآخرة "
وصلّى الحسين عليه السلام بأصحابه صلاة الظهر.
فوصل إلى الحسين عليه السلام سهم فتقدم سعيد بن عبد الله الحنفي ووقف يقيه بنفسه ما زال ولا تخطى، حتى سقط إلى الأرض وهو يقول:
" اللهم العنهم لعن عاد وثمود اللهم أبلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك "
ثم التفت إلى الحسين عليه السلام، فقال له:
" أوفيّتُ يا ابن رسول الله؟ "
فقال الإمام عليه السلام:
" نعم، أنتَ أمامي في الجنة "
ثم قضى نحبه رضوان الله عليه فوجد به ثلاثة عشر سهماً سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.

يوم عاشوراء
الحملة الثانية
ثم قال الحسين عليه السلام لبقية أصحابه:
" يا كرام، هذه الجنة فُتحت أبوابها واتصلت انهارها وأينعت
ثمارها، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله والشهداء الذين قتلوا في سبيل
الله يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبوا
عن حرم رسول الله".

وجعل أصحاب الحسين عليه السلام يسارعون إلى القتل بين يديه، وكانوا كما قيل فيهم:
قومٌ إذا نودوا لدفع مُلمةٍ***لبسوا القلوب على الدروع
كأنهم‏
والخيلُ بينَ مُدعَس ومُكردَس‏***يتهافتون إلى ذهاب الأنفس‏
وكان كل من أراد القتال يأتي إلى الحسين عليه السلام يودعه، ويقول:
" السلام عليك يا ابن رسول الله "
فيجيبه الحسين عليه السلام:
" وعليك السلام، ونحن خلفك. ويقرأ: " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " "
أفدي قرابين الإله مجزرين على الفرات‏***خير الهداية أن يكون الهَدْيُ من الهداة

من بعد ما قضوا الصلاة قضوا فداءً للصلاة
وأستأذن الصحابي الجليل أنس بن الحارث الكاهلي الإمام
الحسين عليه السلام بالمبارزة فأذن له، فنزل إلى الميدان شاداً وسطه
بالعمامة، رافعاً حاجبيه بالعصابة لكبر سنّه، فلما راه الحسين‏ عليه السلام
بهذه الهيئة، بكى، وقال له:

" شكر الله لك يا شيخ "
وكان هذا الصحابي ممن سمع حديث رسول الله صلى الله عليه
وآله، عن شهادة الحسين عليه السلام، والحث على نصرته، وقد قاتل رضوان الله
تعالى عليه قتال الأبطال حتى نال الفوز بالشهادة.

ثم تقدم زهير بن القين وكان سبب التحاقه بالحسين عليه
السلام، ما سمعه من الصحابي الجليل سلمان الفارسي عن كربلاء واستأذن
بالقتال، ووضع يده على منكب الحسين عليه السلام وهو يقول:

أقدم فُديتَ هادياً مهدياً***وحسناً والمرتضى عليا
فاليوم نلقى جدّك النبيا***وذا الجناحين الفتى الكميا

وأسد الله الشهيد الحيا
ثم برز وهو يرتجز ويقول:
أنا زهير وأنا ابن القين***أذودكم بالسيف عن حسين‏

وانبرى يقاتل قتالاً لم يُر مثله ولم يُسمع بشبهه، وكان يحمل على القوم وهو يقول:
إن حسيناً أحد السبطين***أضربكم ولا أرى من شين‏
من عترة البر التقي الزين‏***يا ليت نفسي قسمت نصفين‏
وقاتل قتالاً شديداً حتى استشهد.
فقال الحسين عليه السلام:
" لا يبعدنك الله يا زهير، ولعن الله قاتليك! "
وكان بُرير بن خضير الهمداني من خواص أمير المؤمنين‏ عليه
السلام، ناسكاً، من شيوخ القرّاء، وله كتاب يرويه عن علي عليه السلام، وقد
توجه من الكوفة إلى مكة والتحق فيها بالحسين عليه السلام فبرز إلى الميدان
وهو يقول:

" اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين، اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين "
فقاتل حتى استشهد رضوان الله تعالى عليه.
واشتد القتال والتحم وكثر القتل والجراح في أصحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
وتقدم حنظلة بن سعد الشبامي بين يدي الحسين عليه السلام فنادى أهل الكوفة:
" يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، يا قوم إني أخاف
عليكم يوم التناد، يا قوم لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من
افترى "

ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله.
وتقدم بعده شوذب مولى شاكر فقال:
" السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله وأسترعيك "
ثم قاتل حتى قتل رحمه الله.
ثم برز إلى الميدان عابس بن أبي شبيب الشاكري فسلم على الحسين عليه السلام وقال:
" يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب
ولا بعيد أعز علي ولا أحب إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو
القتل بشئ أعز علي من نفسي ودمي لفعلت، السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد
أني على هداك وهدى أبيك "

ثم مضى بالسيف نحوهم، فقاتل حتى استشهد.
بأبي من شروا لقاء حسين‏***بفراق النفوس والأرواح
وقفوا يدرؤون سمر العوالي***عنه والنبل وقفة الأشباح‏
فوقوه بيض الظُّبا بالنحور ألب***يض والنبل بالوجوه الصِّباح‏
أدركوا بالحسين أكبر عيد***فغدوا في منى الطفوف أضاحي‏

مصرع علي الأكبر عليه السلام
ولما لم يبق مع الحسين عليه السلام إلا أهل بيته خاصة. تقدم
علي الأكبر بن الحسين عليه السلام وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً
فاستأذن أباه في القتال فأذن له، ثم نظر إليه نظرة ايسٍ منه وأرخى عليه
السلام عينيه وبكى، محترقاً قلبه، مظهراً حزنه إلى الله تعالى، رفع سبابتيه
نحو السماء وقال:

" اللهم اشهد على هؤلاء، فقد برز إليهم أشبه الناس خَلقاً
وخُلقاً ومنطقاً برسولك محمد صلى الله عليه وآله، وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية
نبيك نظرنا إليه، اللهم امنع عنهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقا، ومزقهم
تمزيقا، واجعلهم طرائق قدداً ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا
لينصرونا فعدوا علينا يقاتلونا "

وصاح عليه السلام بعمر ابن سعد:
" ما لك يا ابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله "
ثم رفع الحسين عليه السلام صوته وتلا قوله تعالى:
" إن الله اصطفى ادم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم "
ثم حمل علي بن الحسين عليه السلام على القوم، وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي***والله لا يحكم فينا ابن الدعي‏
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي‏***نحن وبيت الله اولى بالنبي‏
أطعنكم بالرمح حتى ينثني‏***ضرب غلام هاشمي علوي‏

فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قتل منهم.
ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال:
" يا أبه! العطش قد قتلني وثقل الحد يد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوى بها على الأعداء؟ "
فبكى الحسين عليه السلام وقال:
" يا بنى يعز على محمد وعلى علي وعلى أبيك، أن تدعوهم فلا يجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك... "
ودفع إليه خاتمه وقال:
" خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال عدوك، فإني أرجو أنك لا تمسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً".
فرجع إلى موقف النـزال وقاتل أعظم القتال، فاعترضه مرة بن منقذ فطعنه فصرع، واحتواه القوم فقطعوه بأسيافهم، فنادى بأعلى صوته:
" يا أبتاه! هذا جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قد سقاني
بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول لك: العجل! فإن لك كأساً
مذخورة "

فصاح الحسين عليه السلام:
" واولداه... "
وأقبل الحسين عليه السلام إلى ولده وكان في طريقه يلهج بذكره ويكثر من قول:
" ولدي علي.. ولدي علي "
حتى وصل إليه، فأرخى رجليه معاً من الركاب، ورمى بنفسه على
جسد ولده، وأخذ رأسه فوضعه في حجره، وجعل يمسح الدمَ والتراب عن وجهه،
وانكب عليه واضعاً خده على خده، وجعل يقول:

" قتل الله قوماً قتلوك يا بُني! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله ".
وانهملت عيناه بالدموع ثم قال:
"على الدنيا بعدك العفا"
فخرجت زينب ابنة علي عليها السلام مسرعة وخلفها النساء والأطفال، وهي تنادي:
" وا حبيباه، يا ثمرة فؤاداه، واولداه، وامهجة قلباه "
فجاءت وانكبت عليه، فبكى الحسين عليه السلام رحمةً لبكائها، وقال:
" إنا لله وإنا إليه راجعون.. "
وقام وأخذ بيدها وردها إلى الفسطاط، وطلب إلى فتيانه من بني هاشم وقال لهم:
" احملوا أخاكم فحملوه من مصرعه، وجاؤا به إلى الفسطاط الذين يقاتلون أمامه "
مقاتل آل عقيل عليهم السلام
ثم برز أبناء عقيل بن أبي طالب، وأبناء مسلم وأبناء جعفر بن عقيل وجعلوا يقاتلون قتالاً شديداً والحسين عليه السلام يقول لهم:
" صبراً على الموت يا بني عمومتي، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم "
فجعلوا يستبسلون في الدفاع عن ابن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى استشهدوا رحمهم الله.

القاسم بن الحسن عليه السلام
وتقدم القاسم بن الإمام الحسن عليه السلام، يستأذن عمه
للقتال وكأن الإمام الحسن عليه السلام أبى إلا أن يكون حاضراً في كربلاء
بخمسة من أولاده، وهو القائل: لايوم كيومك يا أبا عبد الله فخرج القاسم وهو
يرتجز ويقول:

إن تُنكروني فأنا فرع الحسن***سبط النبي المصطفى والمؤتمن‏
هذا الحسين كالأسير المرتهن‏***بين أناس لا سقوا صوب المزن‏

وفيما كان يجول في الميدان ويصول، انقطع شسع نعله، فانحنى ليصلحه.
قال من شهد الواقعة: فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي:
والله لأشدن عليه. فقلت له سبحان الله وما تريد إلى ذلك؟ يكفيك قتله هؤلاء
الذين تراهم قد احتوشوه، فقال والله لأشدن عليه. فما ولىّ حتى ضرب رأسه
بالسيف فوقع الغلام لوجهه فقال:

"يا عماه!".
فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، وانجلت الغبرة
فإذا.. بالحسين عليه السلام قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجليه،
والحسين عليه السلام يقول:

" بعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك "
ثم قال:
" عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك، صوتٌ والله كثر واتره وقل ناصره "
قال الراوي: ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في
الأرض وقد وضع حسين صدره على صدره قال فقلت في نفسي ما يصنع به فجاء به
حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين‏ عليه السلام وقتلى قد قتلت حوله من أهل
بيته فسألت عن الغلام فقيل هو القاسم بن الحسن بن على بن أبى طالب عليهم
السلام.

وقد روي أن الشهداء في كربلاء من أولاد الإمام الحسن بن علي
عليه السلام، ثلاثة غير القاسم، وقد جرح منهم خامس، وقطعت يده، وهو الحسن
المثنى، رضوان الله عليهم أجمعين.


مقاتل إخوة العباس عليهم السلام
ثم إن أبا الفضل العباس عليه السلام، قال لإخوته من أبيه
وأمه أم البنين وهم عبد الله وجعفر وعثمان سمي الصحابي الجليل عثمان بن
مظعون:

"تقدموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله، تقدموا، بنفسي أنتم، فحاموا عن سيدكم حتى تقتلوا دونه".
فتقدموا جميعاً. فصاروا أمام الحسين عليه السلام، يقونه بوجوههم ونحورهم.
فكان أول من برز منهم عبد الله بن أمير المؤمنين، وقاتل
قتالاً شديداً. حتى استشهد ثم برز بعده جعفر، ثم عثمان وجدوا في القتال حتى
قتلوا رضي الله عنهم أجمعين.


شهادة العباس عليه السلام
قال الراوي: وبقي العباس بن علي قائما أمام الحسين عليهم السلام يقاتل دونه، ويميل معه حيث مال.
فقد كان له كما كان جده أبو طالب وأبوه علي للنبي صلى الله عليه وآله.
وكما عرضت قريش الأمان على المولى أبي طالب، ليسْلم محمداً
المصطفى صلى الله عليه وآله، فقد عرض الشمر موفداً من ابن زياد الأمان في
اليوم التاسع من محرم على العباس وإخوته، ليتركوا الحسين عليه السلام، فكان
جوابهم جميعاً:

" لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا، وابن رسول الله لا أمان له؟ "
وقد عُرف العباس عليه السلام في كربلاء بالسقاء لكثرة تردده
إلى الماء ليوصله إلى مخيم سيد الشهداء عليه السلام، وفي اليوم العاشر من
المحرم سمع أبو الفضل عليه السلام الأطفال ينادون:

" العطش العطش "
فخرج يطلب الماء ليوصله إليهم.
بذلت أيا عباس نفساً نفيسة***لنصر حسين عز بالجَد عن مثل
فأنت أخو السبطين في يوم مفخر***وفي يوم بذل الماء أنت أبو الفضل‏

ولما توجه أبو الفضل عليه السلام نحو المشرعة يطلب الماء، فحملوا عليه وحمل هو عليهم، ففرقهم وهو يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت زقا***حتى أوارى في المصاليت لُقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا***إني أنا العباس أغدو بالسقا
‏ ولا أخاف الشر يوم الملتقى‏
قلب اليمين على الشمال وغاص في***الأوساط يختطف النفوس ويحطم‏
ما كر ذو بأس له متقدماً***إلا وفرَّ ورأسه المتقدم‏
بطل تورث من أبيه شجاعة***فيها أنوف بني الضلالة تُرغم‏
أوَ تشتكي العطشَ الفواطمُ عنده‏***وبصدر صعدته الفرات المُفعم‏
في كفه اليسرى السقاء يُقِلُّه‏***وبكفه اليمنى الحسام المخذم‏

ومضى عليه السلام يشق الصفوف، ويفرق الكتائب، فلما رأوا
جولاته العلوية، وما يلقون من شدة بأسه الحيدري، وما صنعت يمينه، واستبد
بهم العجز عن مواجهة أبي الفضل لجأوا إلى الحيلة والغدر.

فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن
طفيل السنبسي فضربه على يمينه)فقطعها(فأخذ السيف بشماله، وضم اللواء إلى
صدره، وحمل عليهم وهو يرتجز:

والله إن قطعتم يميني‏***وعن إمام صادق اليقين‏
إني أحامي أبدا عن ديني‏***نجل النبي الطاهر الأمين‏

فقاتل عليه السلام حتى ضعف عن القتال، وأصبح كل هم القوم
هذه اليد اليسرى التي تفري وكأنها اليمنى. فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي
من وراء نخلة فضربه على شماله فقطعها.

ولما رأى أبو الفضل أن ساعة اللقاء بالمصطفى الحبيب، قد حانت، فقال عليه السلام:
يا نفس لا تخشي من الكفار***وأبشري برحمة الجبار
قد قطعوا ببغيهم يساري***فأصلهم يا رب حر النار
مع النبي السيد المختار
فضربه ملعون بعمود من حديد، وكأني بأبي الفضل العباس‏ عليه السلام يردد في هذه اللحظات:
يا نفس من بعد الحسين هوني***وبعده لا كنت أو تكوني‏

" أخي أبا عبد الله. عليك مني السلام "
فمشى لمصرعه الحسين وطرفه‏***بين الخيام وبينه متقسم‏
ألفاه محجوب الجمال كأنه‏***بدر بمنحطم الوشيج ملثم‏
فأكب منحنياً عليه ودمعه‏***صبغ البسيط كأنما هو عندم‏
قد رام يلثمه فلم ير موضعاً***لم يدمه: عض السلاح فيلثُم‏

فلما رآه الحسين عليه السلام صريعاً على شط الفرات بكى بكاءً شديداً وأنشأ يقول:
تعديتم يا شر قوم بفعلكم‏***وخالفتم قول النبي المسدد
أما كانت الزهراء أمي دونكم***أما نحن من نسل النبي محمد

ويروى أن الحسين عليه السلام أدركه وبه رمق الحياة، فأخذ
رأسه الشريف ووضعه في حجره، وجعل يمسح الدم والتراب عنه ثم بكى بكاءً
عالياً، قائلاً:

"الان انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي".
ثم انحنى عليه واعتنقه، وجعل يُقبّل موضع السيوف من وجهه ونحره وصدره.
وقد ترك الحسين عليه السلام أخاه العباس في مكانه، وقام عنه
بعد أن فاضت نفسه الزكية، ولم يحمله إلى الفسطاط الذي كان يحمل القتلى من
أهل بيته وأصحابه إليه.


مصرع الإمام الحسين عليه السلام
ولما رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبته عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى:
" هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله؟ هل
من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله بإغاثتنا؟ هل من معين يرجو
ما عند الله في إعانتنا؟ "

فارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة وقال لزينب عليه السلام:
" ناوليني ولدى الصغير حتى أودعه "
فأخذه وأومأ إليه ليقبله فرماه حرملة بن الكاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه.
فقال لزينب عليها السلام:
" خذيه "
ثم تلقى الدم بكفيه فلما إمتلأتا، رمى بالدم نحو السماء ثم قال:
" هون على ما نزل بي إنه بعين الله "
قال الإمام الباقر عليه السلام:
" فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض "
ثم إن الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من بزر إليه حتى قتل مقتله عظيمة وهو في ذلك يقول:
القتل أولى من ركوب العار***والعار أولى من دخول النار

قال بعض الرواة فوالله ما رأيت (مكثورا) قط قد قتل ولده
وأهل بيته وأصحابه أربطَ جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها
بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيه الذئب، ولقد كان يحمل عليهم
ولقد تكمّلوا ثلاثين ألفا فيهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع
إلى مركزه وهو يقول:

" لا حول ولا قوة إلا بالله "
فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن ذلك استدعى الفرسان فصاروا
في ظهور الرجالة، وأمر الرماة أن يرموه، فرشقوه بالسهام حتى صار جسمه
كالقنفذ من كثرة السهام النابتة فيه، فأحجم عنهم، فوقفوا بإزائه.

قال الراوي ولم يزل عليه السلام يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح عليه السلام:
" ويلكم يا شيعة ال أبى سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا
تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم
عُرباً كما تزعمون "

قال فناداه الشمر ما تقول يا ابن فاطمة؟.
فقال عليه السلام إني أقول:
"أقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حيا".
فقال شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة.
فقصدوه بالحرب، فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك
يطلب شربة من ماء فلا يجد حتى أصابه اثنان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة،
وقد ضعف عن القتال، فبينا هو واقف، إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فأخذ الثوب
ليمسح الدم عن جبهته، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه.

فقال عليه السلام:
" بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله ".
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال:
" الهي أنت تعلم إنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره "
ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كأنه ميزاب،
فضعف عن القتال ووقف، فكلما أتاه رجل انصرف عنه كراهة أن يلقى الله بدمه.

حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر، فشتم الحسين
عليه السلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف فقطع البرنس، ووصل السيف إلى
رأسه فامتلأ البرنس دماً..

قال الراوي: فاستدعى الحسين عليه السلام بخرقة فشد بها رأسه، واستدعى بقلنسوة فلبسها، وأعتم.
فلبثوا هنيهة ثم عادوا إليه وأحاطوا به، فخرج عبد الله بن
الحسن بن علي عليه السلام وهو غلام لم يراهق من عند النساء، يشتد حتى وقف
إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب عليها السلام لتحبسه فأبى وامتنع
امتناعاً شديداً فقال:

" لا والله لا أفارق عمي "
فأهوى بحر بن كعب وقيل حرملة بن كاهل إلى الحسين عليه السلام بالسيف. فقال له الغلام:
" ويلك يا بن الخبيثة أتقتل عمي؟ "
فضربه بالسيف فاتقى الغلام بيده فأطنها إلى الجلد فإذا هي معلقة فنادى الغلام:
"يا أماه".
فأخذه الحسين عليه السلام وضمه إليه وقال:
" يا بن أخي اصبر على ما نزل بك وأحتسب في ذلك الخير فإن الله يلحقك بابائك الصالحين "
قال فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه الحسين عليه السلام.
ثم إن شمر بن ذى الجوشن حمل على فسطاط الحسين عليه السلام فطعنه بالرمح ثم قال: عليّ بالنار أحرقه على من فيه.
فقال الحسين عليه السلام:
" يا بن ذي الجو شن أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي، أحرقك الله بالنار"
قال: ولما أثخن الحسين عليه السلام بالجراح (..) طعنه صالح
ابن وهب المري على خاصرته طعنةً فسقط الحسين عليه السلام إلى الأرض على خده
الأيمن وهو يقول:

" بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ثم قام عليه السلام ".
وحملوا عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على كتفه
اليسرى وضرب الحسين عليه السلام زرعة فصرعه، وضربه اخر على عاتقه المقدس
بالسيف ضربة كبا عليه السلام بها لوجهه، وكان قد أعيا وجعل ينوء ويكب،
فطعنه سنان ابن أنس ألنخعي في ترقوته، ثم أنتزع الرمح فطعنه في بواني صدره،
ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره فسقط عليه السلام وجلس قاعدا.

فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعاً، فكلما امتلأتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول:
" هكذا ألقى الله مخضباً بدمى مغصوباً على حقي "
وروي عنه عليه السلام أنه قال:
"اللهم متعالي المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غني عن
الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغُ
النعمةِ، حَسَنُ البلاءِ، قريبٌ إذا دُعيتَ، محيطٌ بما خلقتَ، قابلُ
التوبةِ لمن تاب إليكَ، قادر على ما أردت، تدرك ما طلبت، شكور إذا شُكرت،
ذكور إذا ذُكرت، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً،
وأبكي مكروباً، واستعين بك ضعيفاً وأتوكل عليك كافياً.

اللهم احكم بيننا وبين قومنا، فإنهم غرونا وخذلونا، وغدروا
بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيك، وولد حبيبك محمد الذي اصطفيته بالرسالة
وائتمنته على الوحي، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً يا أرحم الراحمين..

صبراً على قضائك يا رب، لا إله سواك، يا غياث المستغيثين،
مالي رب سواك ولا معبود غيرك، صبراً على حكمك، يا غياث من لا غياث له، يا
دائماً لا نفاد له، يا محيي الموتى، يا قائماً على كل نفسٍ بما كسبت، احكم
بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين".

قال أحد رواة السيرة: كنت واقفاً مع أصحاب عمر بن سعد إذ
صرخ صارخ أبشر أيها الأمير فهذا شمر قتل الحسين، قال فخرجت بين الصفين
فوقفت عليه وإنه ليجود بنفسه، فوالله ما رأيت قط قتيلاً مضمخاً بدمه أحسن
منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله،
فاستسقى في تلك الحال ماءً فسمعت رجلاً يقول: والله لا تذوق الماء حتى ترد
الحامية فتشرب من حميمها.

فسمعته يقول:
" يا ويلك أنا لا أرد الحامية ولا أشرب من حميمها بل أرد
على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأسكن معه في داره في مقعد صدقٍ عند
مليكٍ مقتدر وأشرب من ماءٍ غير اسن وأشكو إليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بي "

قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب واحد منهم من الرحمة شيئاً.
وجلس الشمر على صدر الحسين عليه السلام وقبض على لحيته وضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة ثم حز رأسه المقدس المعظم.
ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب للحسين عليه السلام
فيواطئ الخيل ظهره وصدره فانتدب منهم عشرة. فداسوا الحسين عليه السلام
بحوافر خيلهم حتى رضوا صدره وظهره.

فأي شهيدٍ أصلت الشمس جسمه***ومشـــهدها من نوره متولدُ
وأي ذبيحٍ داست الخيل صـدره***وفرســـانها من ذكره تتجمّدُ
ألم تك تدري أن روح محمد***كـــقرآنه في سبطه متجسّدُ
فلو علمت تلك الخيول كأهلها***بـأن الذي تحت السنابك أحمد
لثارت على فرسانها وتمردت***عليهم كما ثاروا بها وتمرد

وخرجت عند ذلك مولاتنا زينب عليها السلام تندب الحسين عليه السلام وتنادي بصوتٍ حزين وقلبٍ كئيب:
"يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين مرمل بالدماء،
مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، إلى الله المشتكى وإلى محمد المصطفى وإلى علي
المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء، يا محمداه، هذا حسين
بالعراء تسفي عليه الصبا، قتيل أولاد البغايا واحزناه، واكرباه، اليوم مات
جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يا أصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى
يساقون سوق السبايا".

وفى رواية:
"يا محمداه بناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا
وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء، بأبي من أضحى عسكره
في يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العُرى، بأبي من لا غائب فيرتجى
ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي
العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء، بأبي من جده محمد المصطفى،
بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد
المصطفى، بأبي خديجة الكبرى، بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء سيدة
نساء العالمين، بأبي من ردت له الشمس وصلى".

فأبكت والله كل عدوٍ وصديق.
يا صاحب الأمر أدركنا فليس لنا***ورد هني ولا عيش لنا رغد
فانهض فدتك بقايا أنفس ظفرت‏***بها النوائب حتى خانها الجلد
طالت علينا ليالي الانتظار فهل‏***يابن الزكي لليل الانتظار غد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shamel.3arabiyate.net
 
موقعة الطف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مرجعكم الشامل :: الاقســــــام الــــــعـــامـــــــــه :: المنتـــــدئ الاســـلامـــي-
انتقل الى: